|
ولا تلازم بين
كيفية معيشة الآباء ومعيشة الأبناء، وإن كان المناخ واحداً
والكيفية العامة واحدة، إذ كثيراً ما تنقلب أحوال الأمم من
حالة إلى حالة، حتى في جيل واحد وذلك حسب اختلاف الثقافة
والأسوة، فقد أرى التاريخ أن عرب الجاهلية، كانوا في شظف من
العيش [يشربون الطرق، ويقتاتون القد والورق] وكانوا أذلة
خاسئين، الجهل صبغتهم العامة، ووأد البنات من المكرمات
عندهم، والقتال ونهب الأموال وهتك الأعراض ديدنهم والعبادة
للخشب والحجارة مفخرتهم، والمعاقرة والزنا والشذوذ الجنسي
رائجة بينهم.
وفجأة تحولت تلك
الأمة ـ ببركة الإسلام ـ إلى كل ما كان يخالف حالتهم السابقة
حتى صاروا (خير أمة أخرجت للناس) و (شهداء على الناس) و (أمة
وسطاً) بلا إفراط وتفريط وقد حملوا مشاعل العلم والهداية
والفضيلة والتقوى إلى مشارق الأرض ومغاربها.
وقد أشار الإمام
أمير المؤمنين عليه السلام إلى حالهم قبل الإسلام وبعده،
بقوله: (إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نذيراً
للعالمين، وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شر
دين، وفي شر دار، منيخون بين حجارة خشن، وحياة صنم، تشربون
الكدر، وتأكلون الــجشب وتسفكون دماءكــم، وتـــقطعون
أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة)(1).
وقال عليه السلام:
(إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، ليس أحد من
العرب يقرأ كتاباً، ولا يدعي نبوة، فساق الناس حتى بوأهم
محلتهم، وبلغهم منجاتهم فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم)(2).
وقال عليه السلام:
(وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ابتعثه والناس يضربون في غمرة،
ويموجون في حيرة، قد قادتهم أزمة الحين [الهلاك] واستغلقت
على أفئدتهم أقفال الرين)(3).
وقال عليه السلام:
(فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة، في بلاء
أزل [شدة] وإطباق جهل، من بنات موؤدة، واصنام معبودة وأرحام
مقطوعة، وغارات مشنونة)(4).
وقال عليه السلام:
(أضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة، والجهال الغالبة،
والجفوة الجافية، والناس يستحلون الحريم، ويستذلون الحكيم،
يحيون على فترة، ويموتون على كفرة)(5).
وقال عليه السلام:
(فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم، حين بعث إليهم رسولاً،
فعقد بملته طاعتهم، وجمع على دعوته ألفتهم، كيف نشرت النعمة
عليهم جناح كرامتها، وأسالت لهم جداول نعيمها، والتفت الملة
بهم في عوائد بركتها، فأصبحوا في نعمتها غرقين، وفي خضرة
عيشها فكهين، قد تربعت الأمور بهم في ظل سلطان قاهر، وآوتهم
الحال إلى كنف عز غالب، وتعطفت الأمور عليه في ذوى ملك ثابت،
فهم حكام على العالمين وملوك في أطراف الأرضين، يملكون
الأمور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام فيمن كان
يمضيها فيهم، لا تغمز لهم قناة ولا تقرع لهم صفات(6)[الحجر
الصلد].
|