|
وعلى أي حال،
فالمهم في باب الانحراف:
1 ـ العلاج.
2 ـ وإصلاح
المجتمع الصغير.
3 ـ وإصلاح
المجتمع الكبير.
فإن المنحرف
غالباً ليس إلا ضحية الاجتماع، فيجب أن ينظر إليه بنظر العطف
والشفقة لا بنظر الغضب والازدراء، ولذا لم يرد في التاريخ
ازدراء الرسول صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام
بالمجرمين، وإن طبقوا عليهم ـ أحياناً ـ الحدود الشرعية.
وحتى المنافقين
الذين ورد فيهم: (إنهم في الدرك الأسفل)(20)
وإنهم (هم العدو)(21) لم
يواجههم الرسول صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام إلا
بأقل القدر الممكن من التأنيب، وكذلك الذين فروا من الزحف أو
خانوا الرسول صلى الله عليه وآله في أوامره الحربية مما
سببوا قتل خيرة أصحابه كحمزة عليه السلام مع أنه قال الله
تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً
إلى فئة فقد باء بغضب من الله)(22).
وقال سبحانه: (يا
أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين)(23).
بل عامل الرسول
صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام الذين حاربوهما بأقل
القدر الممكن من العنف مما لابد منه ـ في قصص معروفة ـ إذ
العقاب اضطرار، لم يجعل تشفياً، وإنما جعل علاجاً فهو
كالعملية الجراحية لا يقدم عليها إلا اضطراراً، ثم يكون كمها
وكيفها بقدر الاضطرار أيضاً، فإن الله سبحانه خلق البشر
ليرحمهم.
قال تعالى: (ولذلك
خلقهم)(24).
أما العذاب في
الآخرة، فهو أيضاً بقدر الاضطرار، ولذا تكون الشفاعة والعفو،
ثم بعد ذلك إذا حدث الاضطرار يأتي (جزاءاً وفاقاً)
(25) (وإنما تجزون ما كنتم
تعملون) (26).
ولذا كان شعار
الإسلام: (قولوا للناس حسناً)(27)
و (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(28)
و (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي
حميم، ولا يلقاها إلا الذين صبروا ولا يلقاها إلا ذو حظ
عظيم)(29). (وإن واحد من
المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)(30).
وقال علي عليه
السلام: (واكــظم الغـــيط وتجـــاوز عند المقدرة، واحلم عند
الغضب واصفح مع الدولة [السلطة] تكن لك العاقبة)(31).
وقال عليه السلام:
(إذا قدرتك على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه)(32).
وقال عليه السلام:
(أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة)(33).
وقال عليه السلام:
(العفو زكاة الظفر)(34)…
إلى غير ذلك من كلماتهم عليهم السلام وأعمالهم سواء بالنسبة
إلى المجرمين السياسيين، أو المجرمين الجنائيين.
وقد اكتشف علماء
السياسة والاجتماع، أخيراً لذلك قاعدة [عجز القوة وقوة
العجز] حيث أن القوة يختفي في طيارتها العجز، فهل يمكن أن
يضرب لص بمدفع ميدان؟ وهل يمكن أن يقابل سلم العدو [العجز]
بالقمع؟ وللمثال… فقد انتزع حزب المؤتمر استقلال الهند من
بريطانيا بالسلم، كما أن عالم اليوم عجز عن دفع عدوه مع أنه
يملك السلاح النووي.
ومن كلام لعلي
عليه السلام: ـ كما في نهج البلاغة ـ: (وإنما ينبغي لأهل
العصمة والمصنوع إلــيهم في السلامة، أن يــــرحموا أهل
الذنوب والـمعــصـــية، يكـــون الشكر هو الغالب عليهم،
والحاجز لهم عنهم، فكيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيّره ببلواه(35).
أما ذكر موضع ستر
الله عليه من ذنوبه مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به؟ وكيف
يذمه بذنب قد ركب مثله؟ فإن لم يكن ركب ذلـــك الذنب بعينه
فقـــد عصى الله فيما سواه، مما هو أعظم منه، وأيم الله لئن
لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير، لجرأته على عيب
الناس أكبر، يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه، فلعله
مغفور له، ولا تأمن على نفسك صغير معصية، فلعلك معذب عليه،
فيكفف من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه، وليكن
الشكر شاغلاً له على معافاته، مما ابتلي به غيره).
وعلى أي حال،
فعلاج الانحراف:
أ ـ استدراج
المنحرف إلى الاستقامة من أقرب الطرق وأسهلها، فإذا كان
إجرامه لأجل فقر أو عدم زوج أو زوجة أو مرض أو منافسة، أو ما
أشبه عالج فقره، وزوجه [وقد زوج علي عليه السلام مومسة] وهيء
وسائل صحته، واصلح بينه وبين منافسه، أو أبعد أحد المنافسين
عن الآخر ـ إن أمكن الإبعاد ـ وقد أمر الإمام الصادق عليه
السلام بعض أصحابه أن يعطي من مال الإمام عليه السلام لطرف
النزاع حتى يصطلحا إذا كان النزاع على مال.
ب ـ تهيئة مصحات
تمزج العلاج، بتشغيل المنحرف، إذ المنحرف إذا ارتبط بالعمل
لم يبق له فراغ للانحراف الفكري أو العملي، فإن فكره يشتغل
بعمله، وتعبه العملي يورث انضباط أكله ونومه مما يسببان له
راحة وبهجة، وبالأخص إذا كان شغله مغرياً وموجباً لتقدمه،
حيث أن ذلك يسبب أن ينظر إلى نفسه بالرفعة فيتجنب تعاطي
الأمور الوضيعة، والتفكر في الأمور السخيفة.
ج ـ إذا كان
مستحقاً للعقوبة عاقبه بقدر الضرورة، كماً وكيفاً [كما
تقدم]. |