|
وحيث يتكون في نفس
الطفل الذي أخذ في الكبر هدف ما، يقارن ذلك أنه يأخذ في
تقييم نفسه، وفي هذه المرحلة ـ والتي تبقى إلى آخر العمر ـ
يلاحظ أموراً:
1 ـ تصوره عن
نفسه، وأنه كيف هو؟ فإن الإنسان يزن نفسه عند نفسه، هل له
وزن أم لا؟ وكم وزنه؟ وكيف وزنه؟ وما هي مرتبته في الاجتماع؟
إلى غير ذلك.
2 ـ تصوره أنه كيف
يكون عند الناس؟ هل له وزن أم لا؟ وكم وزنه؟ وكيف؟ وهكذا…
فيجعل نفسه مكان الآخرين وينظر إلى نفسه من منظارهم وإذا كان
يحيط به عرفان عرف عام، وعرف خاص، كما إذا كان في منظمة أو
حزب أو جمعية أو ما أشبه، يلاحظ أنه كيف عند هؤلاء؟ وكيف عند
هؤلاء؟ وهكذا.
وغالباً يعدل
الإنسان طريقته إلى ما يراه يوجب ارتفاعه عند العرفين، وإذا
كان تعارض بين العرفين، فغالباً يقدم عرفه الخاص، لأنه أقوى
صلة ورابطة به، ولذا يشاهد أنه يتحمل مشاكل هذا العرف ضد
العرف العام، وقليل هم الذين يخرقون عرفهم الخاص ليلحقوا
بركب العرف العام.
ولأجل التناقض بين
العرفين، وإن العرف الخاص لابد وأن يكون في المجتمع علناً أو
سراً، تحاول الحكومات الحازمة:
أ ـ إعطاء المجال
لأعضاء العرف الخاص بالظهور، والاختلاط بالمجتمع لئلا يقعوا
في قوقعة السرية، حيث يتبع السر الانغلاق ثم العنف، وأضرار
العنف بالاجتماع وبسمعة الحكومة أكثر من إعطاء المجال لأعضاء
العرف الخاص بالظهور.
ب ـ ثم إذا كان
العرف الخاص فيه طبيعة الهدم، تحاول الحكومة سحب البساط
[بالمغريات] من تحت أرجل ذلك العرف وإن لم يكن فيه طبيعة
الهدم تحاول الحكومات ترقيق مشاعر العرف الخاص بإعطائه
طلباته ـ حسب الإمكان ـ وحل المشاكل بالتي هي أحسن.
وحيث أن الحكومات
الديكتاتورية، لا تتحلى بالحزم، توقع نفسها والمجتمع في
مشاكل جمة، وأخيراً يأتي دور المحاربة بينها وبين أعضاء
الأعراف الخاصة، فالمظاهرات والإضرابات وأخيراً القلاقل
والفوضى، والثورة.
3 ـ وأخيراً يأتي
دور المحاكمة، فيتصور الطفل ـ المتقدم ـ في أنه هل أن تصور
الآخرين عنه، صحيح أو باطل؟ وينقسم الحال إلى ثلاثة أقسام:
أ ـ أن يرى تصورهم
صحيحاً.
ب ـ أن يرى أنهم
قد بخسوا حقه وأنه فوق ما يتصورون عنه، وهذا هو الغالب، لأن
الإنسان حيث يحب نفسه، لا يرى أخطاءه ونواقصه بينما يراها
الناس، فهو عند نفسه رفيع، بينما يكون عند الناس وضيعاً أو
لا أقل من أنه دون تصور نفسه، ولذا ورد في الحديث: (أحب
إخواني من أهدى إليّ عيوبي)(8)
و (صديقك من صدقك لا من صدّقك)(9)
و (يا صالح اتبع من يبكيك وهو لك ناصح ولا تتبع من يضحكك وهو
لك غاش)(10) و (المؤمن
مرآة لأخيه المؤمن)(11).
ج ـ أن يرى أنهم
قد وضعوه فوق مستواه، وهذا نادر، وكثيراً ما يكون ذلك وليد
الديكتاتورية، أو المال، أو التزوير، حيث يعلم الإنسان بحال
نفسه إلا أن قوته أو ماله أو ريائه، يجعل الناس يتصورونه ـ
ولا أقل من إظهارهم ذلك ـ فوق ما يرى هو لنفسه.
ولذا نرى أن
العظماء ـ حقيقة ـ يأبون من مدح أنفسهم ومن مدح الناس لهم
وقد مدح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعض في وجهه، فقال
عليه السلام: (اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي
منهم، اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون واغفر لنا ما لا يعلمون)(12)…
وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار، فترجلوا له
واشتدوا بين يديه، فقال عليه السلام ما هذا الذي صنعتموه؟
فقالوا: خلق منا نعظم به أمراءنا، فقال: (والله ما ينتفع
بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم، وتشقون به
في آخرتكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، واربح الدعة معها
الأمان من النار)(13).
وقال عليه السلام:
(كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء،
ولست بحمد الله كذلك، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته
انحطاطاً له سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة
والكبرياء، وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا
علي بجميل ثناء لإخراج نفسي إلى الله سبحانه وإليكم من
التقية، في حقوق لم أفرغ من أدائـــها، وفرائض لابـــد من
إمــضائها، فـــلا تكلــمونــي بــما تكلم به الجبابرة ولا
تتحفظا مني بما يــتحفظ به عنــد أهــل الـــبادرة ولا
تخالطوني بالمصانعة)(14).
|