|
واللازم أن يعمل
أمام الجماعات الضاغطة المنحرفة، أمور:
أ ـ كشف تلك
الجماعات للملأ، حتى يفضحوا أمام الناس فلا يجدوا مجالاً
للتستر والإفساد باسم الإصلاح، قال سبحانه: (وإذا قيل لهم لا
تفسدوا في الأرض * قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم
المفسدون ولكن لا يشعرون)(27) ويلزم أن تتم عملية الكشف كماً
وكيفاً في إطار الإسلام والإنسانية لا غير.
ب ـ تثقيف الناس
بالثقافة الصحيحة حتى يعرفوا الزيف من الحق، فإن الجماعات
الضاغطة إنما يتسترون وراء الحق ليروجوا بضاعتهم الزائفة،
فإذا انكشف الحقائق للناس، لم يبق مجال للظلام الذي يتلفع به
الضاغطون.
ج ـ إيجاد حس
الفحص والنقد في الناس، لئلا يقبلوا الشيء بدون التدقيق
حوله، وقد بنى الإسلام على العقل والبحث، وعدم الانسياق وراء
التقليد والعاطفة، بل وحتى الظن.
قال سبحانه: (إن
الظن لا يغني من الحق شيئاً)(28).
وقال: (ولا تقف ما
ليس لك به علم * إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه
مسؤولا)(29) إلى غير ذلك.
وحتى أن المشهور
لزوم الدليل في أصول الدين، فلا يصح للمسلم أن يقبل أن الله
واحد، أو عادل، أو أن محمداً صلى الله عليه وآله نبي إلا
بالدليل، ولذلك دون علم الكلام.
فإذا قيل إن
فلاناً رئيس مدى العمر، أو أنه أفضل من غـــيره، أو أن
الاقــتصاد الإسلامي كذا، أو أن اللازم للدولة جعل الدستور،
أو… !! يلزم أن يسأل الإنسان لماذا؟
ولا ينفع أن تقول:
للمتنسم أريكة الحكم لماذا تفعل كذا؟ والحال أن الشعب غير
مثقف، فإن الشعب غير المثقف هم الذين يمكنون له، بل اللازم
أن يتثقف الشعب، حتى لا يتمكن المتنسم أن يعمل حسب هواه…
ولذا قال علي عليه السلام: (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله
حراً)(30).
فلم يخاطب القمة،
وإنما خاطب القاعدة، إذ القمة حصلت على امتيازات فلا يهمها
بعد ذلك أي شيء.
وبهذه المناسبة لا
بأس أن نقول: إن المشكلة في البلاد الإسلامية ذات الألف
مليون مسلم، ليس في حكامها ـ وإن كانوا هم الديكتاتوريون
العملاء ـ وإنما المشكلة في الأمة الإسلامية نفسها، فهي أنها
ربيت على بعض الإسلام، وهي الصلاة والصيام، والمسجد
والحسينية، والاحتفالات والمأتم، وما إلى ذلك، وتركت بعض
الإسلام الآخر، وهو:
1 ـ الثقافة الحية
(الاجتماعية) وغيرها.
قال عليه السلام:
(العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)(31).
وفي حديث آخر:
(عالماً بأهل زمانه)(32).
وفي وصف علي عليه
السلام: (كان والله بعيد المدى شديد القوى)(33).
2 ـ والسياسة، فلا
يعرفون منها ما ينجيهم وما يضع الحكام وأسياد الحكام عند
حدهم، فكل بلاد الإسلام بين حكم وراثي، أو حكم عسكري، ولا
ثالث أما الأمة فهي بمعزل عن الحكام، لا تملك من أمرهم
شيئاً.
3 ـ والاقتصاد،
الذي هو عصب الحياة، ولذا كان اقتصاد كل بلد بلد، إما
رأسمالياً، أو شيوعياً، أو مزيجاً منهما، والغرب والشرق ينهب
خيراتهم نهباً لا مثيل له في سابق التاريخ، وإذا علمنا (أن
الفقر سواد الوجه في الدارين) عرفنا لماذا المسلمون لا كيان
لهم في العالم الحاضر؟!
4 ـ وفهم مخطط
المستعمرين، وكيفية تغلغلهم في البلاد، وكيف يمكن التخلص
منهم واقعاً، لا صورة… ومادام هذا الجزء من الإسلام مشلولاً،
عاش المسلمون في ضياع.
د ـ الجماعات
المضادة للجماعات الضاغطة، حتى يتحرى هؤلاء مواضع حركة أولئك
ويبطلوا كيدهم، ويردوا مكرهم إلى نحورهم، وفي المثل: (لا يفل
الحديد إلا الحديد).
وتدخل [الجماعات
المضادة للجماعات الضاغطة] في ميزان الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، فإنهما وإن كانا واجبين على كل مسلم ومسلمة ـ كما
يدخل البنود (أ ـ ب ـ ج) أيضاً في موازين إسلامية أخر ـ إلا
أن عدم تأتي الأمر والنهي كاملاً، أمام الجماعات الضاغطة إلا
بهذه الصورة يجعل الوجوب لها آكد.
وقد حرض الإسلام
على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأبلغ تحريض.
قال الله تعالى:
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير * ويأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر * وأولئك هم المفلحون)(34).
وقال علي عليه
السلام: (أيها المؤمنون إنه من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً
يدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد
أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله
هي العليا، وكلمة الظالمين هي السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل
الهدى، وقام على الطريق، ونور في قلبه)(35).
وفي كلام آخر له
عليه السلام قال: (فمنهم المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه،
فذلك المستكمل لخصال الخير، ومنهم المنكر بلسانه وقلبه
والتارك بيده فذلك متمسك بخصلتيــن من خــصال الخير، ومضيّع
خصلة، ومنهم المنكر بقلبه، التارك بيده ولسانه، فذلك الذي
ضيع أشرف الخصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة، ومنهم تارك
لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده، فذلك ميت الأحياء، وما
أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجّي، وإن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق،
وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر)(36).
وقال عليه السلام:
(أول ما تغلبون عليه من الجهاد، الجهاد بأيديكم، ثم بألسنتكم
ثم بقلوبكم، فمن لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراً، قلب
فجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه)(37) إلى غيرها من الآيات
والروايات الكثيرة جداً. |