|
(الخامس): كشف
الأسباب والمسببات والملازمات ـ وعلى قول الفلاسفة
والأصوليين: العلل والمعلولات والملازمات: أو اللازم
والملزوم والملازم ـ فإن الدنيا عالم الأسباب، وأبى الله أن
يجري الأمور إلا بأسبابها، وفي القرآن الحكيم: (ثم أتبع
سبباً) وأصول ذلك يرجع إلى خمسة أمور:
أ ـ هل الشيء
الفلاني علة؟ فإن المحقق الذي يريد كشف القانون يلزم أن
يلاحظ أن الظاهرة الاجتماعية مسببة عماذا؟ فإذا لاح في ذهنه
فرضية، يدقق ويتساءل: هل الشيء الفلاني علة؟ مثلاً: إذا رأى
هياج الاجتماع، فيتساءل هل الأمر الاقتصادي علة لهذا
الهيجان؟ بأن كان السبب تدني الأجور وتضخم السلع؟
ب ـ فإذا تحقق
لديه أن السبب الأمر الاقتصادي يتساءل: هل هو وحده السبب؟
لإمكان أن يكون شيء آخر معه أيضاً، مثل بعض العوامل السياسية
مما يسبب الهيجان؟
لا يقال: لا يمكن
تأثير سببين في مسبب واحد؟
لأنه يقال: إذا
صارا اثنين، كان كل واحد جزء السبب، كما أن الرصاصة إذا كانت
قاتلة، فتعددت صارت كل واحدة جزء سبب القتل.
ج ـ فإذا تحققت
العلة واحدة أو أكثر، كان على المحقق أن يتساءل، وهل للعلة
علة؟ وهكذا حتى ينتهي إلى جذور الظاهرة، مثلاً: ظهر له أن
الهيجان لأجل قلة المعاشات المسببة عن التضخم، فيتساءل: وما
هي التضخم؟ فيصل إلى أنه من جهة صرف الدولة أموالاً طائلة
لأجل الحرب، فيتساءل: ولماذا الحرب؟ وهكذا.
د ـ وبعد الوصول
إلى جذور المشكلة، يأتي دور آثارها، وآثار آثارها، فإن
المعلول قد يكون بدوره علة لشيء آخر، ففي المثال السابق حيث
الهيجان يتساءل: فما هو آثار الهيجان؟ فإذا أجيب: مظاهرات
وإضرابات، تساءل مرة أخرى: وإلى ماذا تنتهي المظاهرات
والإضراب، هل تقابلها الحكومة بالشدة لتملأ السجون
والمستشفيات والمقابر؟ وإلى غير ذلك.
هـ ـ وأخيراً يأتي
دور التحقيق عن الملازمات، سواء للظاهرة، أو لأسبابها، أو
لمسبباتها، ففي المثال السابق، المظاهرة تلازم فصل المديرين
جماعة من العمال عن أعمالهم، مما يوجب تفشي البطالة، والفرق
بين المعلول والملازم واضح، فإن العلة والمعلول في سلسلة
واحدة، بينما الملازم في عرض المعلول، مثلاً: نور النهار
وحرارته ليس أحدهما علة للآخر، وإنما كلاهما معلولان لعلة
ثالثة هي إشراق الشمس، مثلاً.
ثم إن الإنسان
بالتعقل والتفكر والتجربة، يصل إلى هذه الأمور، فاللازم أن
يكون المحقق متأنياً، دقيقاً، يلاحظ الأشباه، ويقارن الأضداد
حتى يستخلص الواقع.
قال الإمام أمير
المؤمنين عليه السلام: (العقل حفظ التجارب وخير ما جربت ما
وعظك)(1).
وقال عليه السلام:
[في كتاب له إلى أبي موسى الأشعري]: (فإن الشقي من حرم نفع
ما أوتي من العقل والتجربة)(2)، وقال عليه السلام: (الفكر
مرآة صافية)(3). |