|
2 ـ والمجتمع
المتحرك نحو النقص، المراد به المتحرك في الصنعة ونحوها، إلا
أن الفلسفة التي ينطلق منها المجتمع فلسفة التردي والهوى،
كما إذا كان منطلقاً عن فلسفة قومية أو وطنية أو اقتصادية أو
جنسية أو وجودية أو دكتاتورية، أو ما أشبه.
أ ـ فإن من يرجح
قومه على من سواهم مهما كان قومه وضعاء، ومن سواهم رفيعاً،
فقد نضبت فيه الإنسانية، وإذا نضبت الإنسانية تدرج الأمر من
ترجيح القوم إلى ترجيح العشيرة، ثم ترجيح العائلة، ثم ترجيح
النفس، ومثل هذا المجتمع خليق به أن يتحطم وتقع بين أفراده
الحروب والمنازعات إلى الزوال.
وقد رأينا كيف أن
القومية العربية تفرقت بلادها، وحاربت بعضها البعض وذهبت
ريحها، مع وجود أكبر عدو مشترك بينهم وهو إسرائيل، لكن تصفية
الحسابات التي انطلقت من فلسفة القومية لا تدع مجالاً
للتفكير الجدي المثمر فيما عداها، وكذلك كان حال أعراب
الجاهلية والفرس والروم وأوروبا في القرون الوسطى وغيرها…
وحال الوطنية حال القومية في النتائج.
ب ـ والذي جعل
منطلقه الفلسفة الاقتصادية لابد وأن يبتلى بالانحراف مما
ينتهي إلى تشقيق المجتمع إلى طبقة الأغنياء الكثيرة الغنى
وطبقة الفقراء الكثيرة الفقر من ناحية، ولابد له من أن يفحص
الأغنياء عن الأسواق في تلك البلاد، كما نرى كلتا الصفتين في
كل من روسيا وأمريكا ومن أشبههما.
ومثل هذا المجتمع
يتخبط في الطبقية والثورات والحروب الداخلية والخارجية إلى
أن يسقط، سواء طال الزمن أو قصر، وقد رأينا كيف أقام هؤلاء
حربين عالميتين في أقل من نصف قرن، وكيف يستعدون الآن لحرب
ثالثة لا تبقي ولا تذر، وكيف يستعمرون الشعوب ويشعلون فيها
الحروب، ويجيعون أكثر العالم لحساب ثرائهم.
ج ـ والذي ينطلق
من فلسفة الجنس، مثل فرويد وأتباعه، لا يمكن أن يسمو
أخلاقاً، وأن تقدم في ميادين الصناعة، والأخلاق هي الموجبة
لبقاء الأمم ـ كما قال الشاعر:
وإنما الأمم
الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وذلك لأن الفلسفة
الجنسية تشيع الإباحية التي تملأ فكر المجتمع، فلا يبقى مجال
للإبداع والتقدم والرجولة والقدرة والمثابرة، وقد هلك قوم
لوط عليه السلام، قديماً بذلك، كما أن ألمانيا غزت فرنسا في
الحرب العالمية الثانية بسهولة مذهلة، لمثل ذلك أيضاً.
د ـ أما من ينطلق
عن فلسفة وجودية، تتلخص في (أن وجودك كل شيء فافعل ما تقدر
عليه) فلابد له من أن يتبدد، لأنه ضد فلسفة التعاون [إعطاء
حق الآخرين] فيصبح الاجتماع أفراداً غير مرتبطين، والاجتماع
لا يبقى إلا بالتعاون.
هـ ـ
والديكتاتورية تخمد الأنفاس، وتخنق الحريات، وتميت الكفاءات
وتبدد أوصال المجتمع، ولذا لا يتمكن الاجتماع معها من الكمال
والتقدم ولم يتأخر ألف مليون مسلم مع منطقتهم الحسنة وثروتهم
الطائلة، ومبادئهم القيمة، إلا لابتلائهم بحكام مستبدين،
حالوا بينهم وبين التقدم بينما تقدم غيرهم في الصناعة ونحوها
أشواطاً شاسعة.
وعليه، فالمجتمع
الذي تسلّك عليه الديكتاتورية، إن كان متحركاً أخذ نحو
النقص، وإن كان جامداً زاد جموداً، وعلى كلا الحالين مصيره
التردي في الهوى فالسقوط إذا لم يدركه التحول الاستشاري قبل
فوات الأوان، ولذا رأينا كيف سقطت النازية والفاشية وغيرهما
في العصر القريب.
وهنا سؤال، أنه
إذا كانت الديكتاتورية موجبة للسقوط، فلماذا بقيت الشيوعية؟
والجواب: أما
حكومة الصين ـ ذات الألف مليون ـ فقد سقطت ولم يمر من عمرها
إلا ثلث قرن، وأليس يكفي ذلك دليلاً على سقوط الشيوعية؟ وأما
حكومة روسيا فقد قاربت السقوط أبان الحرب العالمية الثانية،
وإنما حال بينها وبين السقوط الديمقراطيون، ثم هي الآن في
شرف السقوط، فإن الغرب هو الذي يزودها بالقمح والتكنولوجيا،
ولولا تلك المساعدة المستمرة كانت ساقطة إلى الآن، ومع ذلك
فإن جملة من السياسيين يعتقدون قرب سقوطها بما لا يزيد على
عشر سنوات. |